الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

36

نفحات القرآن

وجهاز للتنفّس والمخ والأعصاب . ونحتاج في الحياة المعنوية - من أجل أن نميّز الطريق السليم عن غيره ونعرف الحقّ من الباطل - إلى قوّة عاقلة ، وأرقى من ذلك نحن بحاجة إلى القادة الإلهيين والكتب السماوية . وبما أنّ منشأ كل هذه الأمور يعود كله إلى اللَّه لذا فانّنا بحاجة إليه في وجودنا كلّه . إنّ الشهيق والزفير في عملية التنفس يحدثان بتعاضد الآلاف من العوامل وبدونها لا يحدثان ، وكلّ هذه العوامل هي هبات إلهيّة ، ففي كلّ نفس هناك آلاف النعم ، وينبغي الشكر على كلّ نعمة . هذه الآية وإن كانت تقصد كلام الذين يستغربون من إصرار النبي صلى الله عليه وآله على عبادة اللَّه تعالى كما يذهب إلى ذلك بعض المفسّرين « 1 » ويقولون هل أنّ اللَّه بحاجة إلى عبادتنا ؟ فيجيبهم القرآن : أنتم الفقراء إلى اللَّه وبعبادته تتكامل أرواحكم . ولكن هذا الكلام لا يحدّد من سعة مفهوم الآية في جهاتها المختلفة ، لأنّ قضيّة استغناء اللَّه واحتياجنا هي الأساس في حلّ الكثير من المشكلات . وعلى أيّة حال فإنّ الفقر نافذ إلى أعماق ذات البشر أجمع ، بل وكلّ الموجودات ، ولا تقتصر الحاجة إليه في الرزق ومستلزمات الحياة فقط ، بل إنّ وجودَها يحتاج إلى فيضه في كلّ لحظة وآن ( فلو تَوقَف لحظة تهدّمت الهياكل ) . أجل ، إنّ الغني في عالم الوجود هو الذات المقدّسة ، ولمّا كان البشر - وهم تحفة عالم الخلق - بحاجة إليه في كلّ وجودهم فإنّ حال سائر الموجودات واضحة ولا تحتاج إلى بيان ، ولذا فإنّ الآية تضيف في ذيلها : « وَاللَّهُ هُوَ الغَنىُّ الحَمِيدُ » وبملاحظة أنّ التعبير أعلاه يدلّ على الحصر - وفق القواعد الأدبية - فإنّ مفهومه ليس إلّاهذا ، وهو إنّ الغني المطلق هو الذات المقدّسة للَّه‌سبحانه ، ولو قسّمنا البشر إلى ( فقير ) و ( غني ) فإنّ هذا أمر نسبي غير حقيقي . وبتعبير آخر ، إنّ الموجودات كلّها فقيرة ومحتاجة ، وإنّ ذات اللَّه المقدّسة تمثل الغنى

--> ( 1 ) تفسير الكبير ؛ وتفسير روح المعاني في ذيل آية مورد البحث .